
بقلم الدكتور عبدالنبي العيدودي .
ليست كرة القدم مجرد لعبة تُحسم نتائجها داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت في عالم اليوم إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، ومؤشراً على قدرة الدول على الاستثمار في الإنسان، وبناء المؤسسات، وتعزيز صورتها بين الأمم. فكل انتصار رياضي كبير يحمل في عمقه رسالة سياسية، وتنموية، وحضارية، تؤكد أن الأمم التي تُحسن التخطيط للمستقبل، هي وحدها القادرة على صناعة المجد.
ومن هذا المنطلق، أدرك صاحب الجلالة الملك محمد السادس، منذ السنوات الأولى لاعتلائه العرش، أن بناء مغرب المستقبل لا يقتصر على تشييد الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بل يمر أيضاً عبر الاستثمار في الشباب، والثقافة، والرياضة، باعتبارها رافعة للتنمية، ومدرسة للمواطنة، وجسراً لتعزيز الحضور الدولي للمملكة. ولذلك لم يكن الاهتمام بكرة القدم قراراً ظرفياً فرضته النتائج، بل كان اختياراً استراتيجياً بعيد المدى، يقوم على التكوين، والحكامة، وتطوير البنيات التحتية، وصناعة الإنسان قبل صناعة البطل.
وتجسدت هذه الرؤية الملكية المتبصرة في إحداث أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي تحولت إلى مدرسة وطنية لصناعة المواهب، وأسهمت في تكوين جيل جديد من اللاعبين الذين أصبحوا يتألقون في أكبر البطولات العالمية، مؤكدين أن الاستثمار في التكوين هو الاستثمار الأكثر مردودية واستدامة.
ولم يكن هذا التحول ثمرة موهبة فردية أو جيل استثنائي فحسب، بل جاء نتيجة تكامل بين الرؤية الملكية المتبصرة، وإصلاح منظومة كرة القدم الوطنية، وتطوير مراكز التكوين، والاستثمار في البنيات التحتية الرياضية، وتأهيل الأطر التقنية والإدارية، بما جعل كرة القدم المغربية نموذجاً مؤسساتياً يقوم على الاستمرارية، لا على الإنجازات الظرفية.
ولعل خير دليل على نجاح هذه الرؤية الملكية، التحول التاريخي الذي عرفته كرة القدم المغربية على المستوى الدولي. فبعد أن كان المنتخب الوطني يحتل الرتبة الثانية والتسعين عالمياً سنة 2015، نجح، بفضل المشروع الملكي الإصلاحي، في الارتقاء إلى المركز الخامس عالمياً سنة 2026، في إنجاز غير مسبوق عربياً وإفريقياً. ولم يكن هذا الصعود مجرد تحسن في التصنيف، بل تعبيراً عن تحول عميق في فلسفة تدبير كرة القدم الوطنية، وانتقالها من منطق المشاركة إلى ثقافة المنافسة على الألقاب العالمية.
وقد بدأت ملامح هذا التحول تتجلى بوضوح في كأس العالم 2022، عندما بلغ المنتخب الوطني نصف النهائي لأول مرة في تاريخ المنتخبات العربية والإفريقية، في إنجاز أدهش العالم وأعاد رسم الخريطة الكروية الدولية. ورغم الجدل الذي رافق مباراة نصف النهائي أمام فرنسا بسبب بعض القرارات التحكيمية التي رأى كثير من المتابعين والخبراء أنها أثرت في مجريات اللقاء، فإن أسود الأطلس كسبوا احترام العالم، وأثبتوا أن المغرب أصبح رقماً صعباً في كرة القدم الدولية.
وجاءت نهائيات كأس العالم لسنة 2026 لتؤكد أن إنجاز قطر لم يكن استثناءً، بل بداية عهد جديد لكرة القدم المغربية. ففي الرابع من يوليوز 2026، حقق المنتخب الوطني فوزاً مستحقاً على منتخب كندا بثلاثة أهداف دون رد، ليبلغ دور الثمانية عن جدارة، ويواصل كتابة صفحات جديدة من المجد الكروي المغربي.
وكان من أبرز نجوم هذا الانتصار عز الدين أوناحي، الذي أمتع الجماهير بهدفين عالميين جسدا جودة التكوين المغربي، وأكدا أن اللاعب الذي تصنعه المدرسة المغربية أصبح قادراً على حسم أكبر المباريات في أعلى مستويات المنافسة. وأوناحي ليس حالة معزولة، بل واحد من ثمار مشروع ملكي جعل من التكوين أساساً لصناعة الأبطال، ومن الاستثمار في الشباب رهاناً استراتيجياً للمستقبل.
وتتجه الأنظار إلى المواجهة المرتقبة أمام فرنسا، (الاحد 12 يوليوز 2026) في مباراة تحمل قيمة رياضية كبيرة، وتعيد إلى الأذهان نصف نهائي مونديال قطر. لكنها، قبل كل شيء، تشكل فرصة جديدة ليؤكد المنتخب المغربي أن مكانه الطبيعي أصبح بين كبار العالم، وأن حضوره في الأدوار المتقدمة لم يعد حدثاً استثنائياً، بل نتيجة منطقية لمسار إصلاحي متواصل.
*لقد أثبتت التجربة المغربية أن الرؤية الملكية التي جعلت من الرياضة رافعة للتنمية لم تكن شعاراً سياسياً، وإنما مشروع دولة متكامل. واليوم، وقد انتقلت كرة القدم المغربية من المركز الثاني والتسعين عالمياً إلى المركز الخامس، ومن المشاركة المشرفة إلى المنافسة على لقب كأس العالم، ومن تصدير اللاعبين إلى تصدير النموذج الرياضي، فإن المملكة تجني ثمار استثمار طويل في الإنسان والمؤسسات.*
*إن ما تحقق لكرة القدم المغربية لم يعد يُقاس بعدد الانتصارات أو بالمراكز المتقدمة في التصنيف الدولي فحسب، بل بما أصبح يمثله المغرب من نموذج في حسن التخطيط، والاستثمار في الإنسان، وتوظيف الرياضة كأداة للتنمية والإشعاع الدولي. ومع اقتراب استضافة كأس العالم 2030، تدخل المملكة مرحلة جديدة لا تكتفي فيها بتنظيم أكبر تظاهرة رياضية في العالم، بل تسعى إلى ترسيخ مكانتها كقوة كروية عالمية، تؤمن بأن صناعة المستقبل تبدأ من بناء الإنسان، وأن الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى هي الطريق الأقصر إلى الريادة بين الأمم.
Akhbarona24 الموقع الاخباري رقم واحد بالمغرب

