الحرب في غزة: حكومات عربية بين مطرقة التطبيع مع إسرائيل وسندان المساندة الشعبية للفلسطينيين .

باريس – أخبارنا24

منذ بداية الحرب في غزة وجدت عدة حكومات عربية نفسها في موقف معقد. فمن جانب توجبت عليها مراعاة التوجه الشعبي المساند غالبا للفلسطينيين. وبالمقابل فهي مضطرة لمراعاة سياساتها الخارجية والتزاماتها الديبلوماسية حيال مسألة التطبيع مع إسرائيل، أو حتى الحفاظ على نفس العلاقات التي كانت تربطها بها قبل هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، والحرب التي تلته. يسلط المقال التالي الضوء على تعامل هذه الحكومات مع الحرب في غزة على المستويين الداخلي والخارجي.

لم تتوقع عدة حكومات عربية أن تجد نفسها في الموقف الذي تعيشه اليوم على خلفية الحرب الدائرة منذ أكتوبر 2023، بين حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) وإسرائيل. فهي تتأرجح بين موقف رسمي يجبرها أحيانا على مسك العصا من المنتصف وموقف شعبي مساند غالبا للفلسطينيين.

فالدولة المغربية على المستوى الرسمي تؤكد منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس على “وقف للأعمال العسكرية” و”رفض استهداف المدنيين من أي جهة كانت”، و”حل نهائي للقضية بإقامة الدولة الفلسطينية”. وما فتئ المغرب يقول إن تطبيع العلاقات مع إسرائيل لا يغير من موقفه من “القضية الفلسطينية التي يعتبرها قضيته الأولى إلى جانب قضية الصحراء”.

بدأ المغرب بتطبيع علاقاته مع إسرائيل خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي رسمت حكومته الخطوط العريضة لهذه الخطوة التي فاجأت أكثر من طرف، والتي أتت ضمن اتفاقيات أبراهام 2020، وشملت أيضا البحرين والإمارات.

التقارب المغربي الإسرائيلي امتد من التمثيل الدبلوماسي في دجنبر 2020 إلى التقارب الثقافي والاقتصادي والعسكري بعد ذلك. وأكد هذا التقارب القوي اعتراف تل أبيب بسيادة المغرب على صحرائه في يوليوز 2023.

أما شعبيا، فإن موقف المغاربة من القضية الفلسطينية يبدو محسوما، إذ خرجوا في مظاهرات حاشدة منذ بداية الحرب دعما للفلسطينيين ومطالبة بوقف التطبيع مع ارتفاع حجم الدمار الذي تشهده غزة جراء القصف الإسرائيلي وارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين (أكثر من 34 ألف قتيل بينهم آلاف الأطفال).

الحكومة المغربية سارعت بشجب العمليات التي تودي بحياة المدنيين في القطاع الفلسطيني، فأصدرت وزارة الخارجية المغربية في نونبر 2023، بيانا عبرت خلاله عن قلق واستياء من تفاقم الأوضاع واشتداد الأزمة الإنسانية في غزة. وكان نحو 100 ألف متظاهر قد خرجوا إلى شوارع الرباط في 15 أكتوبر 2023 للتعبير عن مساندتهم للفلسطينيين ومطالبتهم للحكومة بالتخلي عن المضي قدما في مسار التطبيع مع الدولة العبرية.

الموقف الشعبي المغربي وتدهور الأوضاع الإنسانية المستمر في القطاع الذي يرزح تحت وطأة العمليات العسكرية الإسرائيلية قد يعطل ولو مؤقتا التقارب المغربي الإسرائيلي في عدة مجالات عسكرية وأمنية كبيع طائرات دون طيار وبرامج تجسس مثلا، وعلمية وحتى أكاديمية، ويُذكر أن عشرات الأكاديميين المغاربة وقعوا على عريضة أخرى في نونبر 2023، تطالب حكومتهم بوقف التطبيع الأكاديمي بين البلدين على اعتبار أن الجامعات الإسرائيلية تطور البحوث والقدرات العسكرية للجيش الإسرائيلي – على حد تعبيرهم – .

أما الدولة المصرية فهي تعتبر أول دولة عربية تطبع العلاقات مع إسرائيل، وكثيرا ما تجد الحكومات المصرية نفسها في مواقف حساسة كلما اندلعت حروب بين جيرانهم من الفلسطينيين والإسرائيليين.

منذ بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة عقب هجمات حماس الدموية أعلنت القاهرة قلقها من المنحى التصعيدي للصراع وإمكانية تمدده في المنطقة. وكثيرا ما أشار الإعلام في مصر إلى قيمة الدور المصري في مساعدة الفلسطينيين من خلال المعبر الوحيد الذي يسمح اليوم بتمرير المساعدات إلى الفلسطينيين وهو معبر رفح، حيث رابطت آلاف شحنات المساعدات الإنسانية ومر البعض منها إلى الفلسطينيين المحاصرين والذين أضحوا على مشارف المجاعة.
الحكومة المصرية سمحت بتنظيم مظاهرات مساندة للفلسطينيين في أكتوبر 2023، غير أنها اعتقلت العشرات من المحتجين الذين انتقدوا “بعض مواقف الحكومة المصرية” وأنهم لا يزالون خلف القضبان.

أما من ناحية الدعم الحكومي المصري للفلسطينيين يقترب بشدة من الموقف الشعبي – طالما أنه لا ينقلب إلى انتقاد لها ولرموز الدولة .

ومصر الواقعة وسط هذه المنطقة المتفجرة وغير الآمنة أبدا، تدرك جسامة الموقف وتظهر اليوم كلاعب محوري في المنطقة. فقد قادت إلى جانب قطر والولايات المتحدة، جهود الوساطة في الشهور القلائل الماضية للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين الذين تحتجزهم حماس وسجناء فلسطينيين لدى إسرائيل.

كما قامت بتنظيم قمة عربية أوروبية في القاهرة بداية هذا العام لبحث الحرب ولئن لم تصدر عنها قرارات حاسمة… إضافة إلى أن القاهرة تحكم قبضتها على معبر رفح، والذي قد يتسبب فتحه أمام اللاجئين في أزمة إنسانية جديدة على أراضيها وهي التي تمر اليوم أصلا بأزمة اقتصادية واجتماعية حادة بفعل التضخم والصعوبات الاقتصادية.

الأردن الدولة العربية الأخرى التي تملك حدودا مع إسرائيل وتقيم علاقات دبلوماسية معها (بلدان حدوديان آخران هما سوريا ولبنان لا يقيمان علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية)، تراقب عن كثب وبقلق وتوجس ما يجرى على حدودها الغربية. ففضلا عن أنها تجاور مباشرة إسرائيل والأراضي الفلسطينية فإن لديها ميزة إضافية من حيث تركيبة المملكة الديموغرافية، إذ إن جانبا كبيرا من الأردنيين هم من أصول فلسطينية، إضافة إلى أن عمان تتعاون بشكل وثيق مع إسرائيل التي وقعت معها اتفاقية سلام في 1994 وتتبادل معها التمثيل الديبلوماسي ومصالح مباشرة اقتصادية وأمنية. وأيضا يعد الأردن حليفا آخر للولايات المتحدة، اللاعب القوي في المنطقة، ويتعاون معها في عدة ملفات.
السلطات الأردنية وعلى غرار المصرية تخشى أن تصبح بدورها مأوى جديدا لمئات الآلاف من النازحين واللاجئين الفلسطينيين الجدد، لذلك فإنها لا تمنع التضامن الشعبي مع الفلسطينيين وتسمح بتنظيم مظاهرات مساندة لكن ليس بالقرب من حدودها مع الضفة الغربية، حيث يمكن أن تنفجر الأوضاع في أية لحظة.

الحكومة الأردنية كانت قد أظهرت منذ الأيام الأولى للحرب مواقف مساندة للفلسطينيين، حتى أن سلاح الجو الأردني كان سباقا في إسقاط مساعدات إنسانية عاجلة على القطاع المحاصر عبر مظلات حماتها أدوية وغذاء. ففي 6 نونبر 2023، أسقطت طائرات عسكرية أردنية مساعدات عاجلة على المستشفى الميداني العسكري الأردني في شمال غزة، قبل أن تقوم دول أخرى بالمثل كفرنسا والولايات المتحدة الامريكية.
وشارك حتى الملك عبد الله الثاني بنفسه في إحداها في خطوة محفوفة بالمخاطر وغنية بالمعاني السياسية خصوصا صوب الداخل الأردني. كما دأب الأردن على مد جسور برية لتمرير المساعدات الإنسانية عبر ممر كرم أبو سالم. الداخل الأردني قد يختل توازنه الدقيق أصلا إذا ما قبلت عمان بالمزيد من اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما يرفضه الأردنيون تماما، حتى أن الملك عبد الله اعتبره خطا أحمر لا تنازل فيه.

الشارع الأردني خلال مظاهراته يطالب الحكومة بإلغاء اتفاقيات السلام مع الدولة العبرية وإعادة النظر في الصفقات معها كصفقات الطاقة مثلا.

أما السعودية والإمارات والبحرين وغيرها من الدول الخليجية لهم توجهات أخرى مغايرة وغيرها من الدول الخليجية التي لم تشهد أراضيها لا مظاهرات ولا احتجاجات تذكر تضامنا مع الفلسطينيين، ربما لأن هذه الدول ترى أن التهديد الحقيقي لها ولاستقرارها قد يأتي من إيران. ولذلك حافظت على نوع من التعاون الأمني غير المعلن مع تل أبيب في مواجهة العدو المشترك: إيران.

علما بأن أغلب الدول الخليجية تحظر فعليا جميع أشكال الاحتجاجات السياسية والمظاهرات.

سمحت اتفاقات أبراهام للبحرين والإمارات بتطبيع العلاقات مع الدولة العبرية وقطعت المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك بين السعودية وإسرائيل أشواطا هاما للوصول إلى تطبيع مماثل بينهما قبل أن تجمد الحرب في غزة هذه المفاوضات.

وفيما تحتضن قطر بعض قيادات حماس منذ سنوات، فهي لا تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تلعب دور الوسيط في مفاوضات وقف إطلاق النار بين الطرفين. إلا أن وجود مكاتب وقادة حماس على الأراضي القطرية عرضها مرارا لانتقادات الدولة العبرية التي تلوح باستبعادها من جهود الوساطة. وكانت الدوحة هي اللاعب الأبرز في التوصل لهدنة في قطاع غزة دامت أسبوعا في نونبر 2023 .

تونس والجزائر وموريتانيا
هذه الدول الثلاث لا تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل. الجزائر أعلنت منذ الأيام الأولى للحرب بين إسرائيل وحماس أن الاستيطان هو أساس الصراع العربي الإسرائيلي ولم تخف معارضتها الرسمية لإسرائيل مقابل التعاطف مع الفلسطينيين. وطالبت بعثة الجزائر لدى الأمم المتحدة في منتصف فبراير 2024، بوقف فوري للحرب لأسباب إنسانية ونص مشروع القرار الجزائري على رفض التهجير القسري للفلسطينيين وطالب بحل الدولتين ومنح السلطة الفلسطينية إمكانية حكم غزة والضفة الغربية معا.

في الجزائر أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية “قيام دولة فلسطين” في 1988 كما أن الجزائر في بداية أبريل 2024، بصفتها العضو الممثل للمجموعة العربية في مجلس الأمن، تقدمت بمشروع قرار يوصي الجمعية العامة بـ”قبول دولة فلسطين عضواً في الأمم المتحدة”.

أما تونس فسارع رئيسها قيس سعيّد لاتهام إسرائيل بارتكاب “جرائم إبادة جماعية” في 18 أكتوبر 2023، خلال اجتماع طارئ “لمجلس الأمن القومي”. والشارع التونسي سارع كذلك بالخروج في مظاهرات مناهضة لإسرائيل وداعمة للفلسطينيين منذ الأيام الأولى للحرب بين إسرائيل وحماس آخرها كان الأسبوع الماضي في العاصمة تونس. وتقدمت كتلة في البرلمان بقانون لتجريم التطبيع مع إسرائيل منذ عدة أشهر لم يبت فيه البرلمان التونسي.

أما في ليبيا فقد كانت المواقف الرسمية للحكومتين: حكومة الدبيبة وحكومة باشاغا مُدينة للعمليات العسكرية الإسرائيلية من دون إدانة هجوم حماس. ويساند الشارع الليبي الفلسطينيين وعبر عن تضامنه معه في مظاهرات شعبية.

وكذلك كان الأمر في موريتانيا التي شهدت عاصمتها نواكشوط مظاهرات داعمة للفلسطينيين، علما بأن موريتانيا قد طبعت العلاقات مع إسرائيل منذ 34 عاما تحت رعاية أمريكية وإسبانية قبل أن تقطعها في 2008 بسب المعارضة الشعبية لهذا التطبيع وبسبب عملية “الرصاص المصبوب” العسكرية الإسرائيلية ضد غزة حينها.

image_pdfimage_print

شاهد أيضاً

إيطاليا : إحباط مخطط إرهابي قبل تنفيذه بمنطقة “بريانزا” الشمالية .

مكتب موقع “أخبارنا24” من ميلانو . ألقت السلطات الإيطالية القبض على شاب يبلغ من العمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *