53 مليون سنتيم وبرقية بحث لم تفعل ؟ .. ملف نصب بالقنيطرة يصل إلى القنصلية الإسبانية ويضع أداء الأمن تحت المجهر .

صورة “نصر الدين الساخي” المبحوث عنه .

القنيطرة – جواد الكلعي عن موقع “أخبارنا24” .

يطرح ملف قضائي بالقنيطرة، تتجاوز المبالغ المالية موضوعه بحسب معطيات الشكاية 53 مليون سنتيم، عدداً من علامات الاستفهام حول مسار الأبحاث وتنفيذ مذكرة البحث الصادرة في حق المشتكى به من طرف الشرطة القضائية بولاية أمن القنيطرة، وذلك بعدما ظهرت معطيات جديدة تفيد باستدعاء مسؤولين من الشرطة القضائية من طرف “عبدالكريم الشافعي” الوكيل العام للملك لدى استئنافية القنيطرة، ومساءلتهم ومعاتبتهم بشأن عدم تفعيل مذكرة البحث وعدم توقيف المعني بالأمر، في الوقت الذي ظل فيه الملف مفتوحاً على أكثر من تساؤل منذ وضع الشكاية.

وتعود تفاصيل القضية إلى شكاية تقدمت بها السيدة م. ز.، وهي مواطنة إسبانية، ضد المشتكى به المدعو “نصر الدين الساخي” تتهمه فيها بالنصب والاحتيال، على خلفية مبالغ مالية قالت إنها سلمتها له على مراحل، مقابل وعود واستثمارات ومشاريع، قبل أن تجد نفسها، بحسب روايتها، أمام مبالغ لم تتم إعادتها إليها، رغم وجود مجموعة من الإقرارات بالديون الموقعة من طرف المشتكى به.

وتشير الوثائق المرتبطة بالملف إلى وجود إقرارات كتابية بالديون بمبالغ مهمة، من بينها 105 آلاف درهم و100 ألف درهم و40 ألف درهم، إلى جانب مبالغ أخرى وردت في الشكاية، وهو ما يجعل القيمة الإجمالية للمبالغ موضوع النزاع تتجاوز، بحسب الشكاية، 53 مليون سنتيم.

وبحسب مضمون الشكاية، فإن المشتكى به كان يقدم نفسه باعتباره رجل أعمال، وله أنشطة ومشاريع في مجالات مختلفة، كما اقترح على المشتكية الاستثمار في مشروع مقهى على الطريق المؤدية إلى المهدية، قبل أن تقوم، وفق روايتها، بتسليمه مبالغ مالية متعددة. وتقول المشتكية إنها كانت تعمل بشكل دائم بإسبانيا، وأن معرفتها بالمشتكى به وعلاقتها به جعلتها تطمئن إلى وعوده، غير أنها، بعد مرور الوقت، اكتشفت، بحسب أقوالها، أن المشاريع التي تحدث عنها لم تر النور، وأن الأموال التي سلمتها له لم تتم إعادتها.

وتضمن الملف كذلك تصريحات لشاهد، إلى جانب تسجيلات صوتية جرى تفريغ مضمونها في محضر رسمي، وتتضمن، بحسب محضر الاستقراء، أحاديث حول الأموال والتسلم والتحويلات والتنسيق بشأن مبالغ مالية ولقاءات بين الأطراف. غير أن هذه التسجيلات، في حد ذاتها، تبقى عنصراً من عناصر الإثبات والبحث، واعتبارها دليلاً حاسماً على ثبوت جريمة النصب أو على هوية جميع المتحدثين، وهو ما يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة.

وفي إطار البحث، باشرت الشرطة القضائية عدداً من الإجراءات، من بينها الاتصال بالمشتكى به عبر أرقام هاتفية تم الإدلاء بها من طرف المشتكية، غير أن الاتصالات لم تلق جواباً في أكثر من مناسبة. كما تشير محاضر البحث إلى أن المشتكى به اتصل في إحدى المرات بالمصلحة الأمنية، وعرّف بنفسه، وتم إخباره بضرورة الحضور، حيث وعد بالحضور في تاريخ محدد، لكنه لم يفِ بذلك، قبل أن تتكرر محاولات الاتصال به دون جدوى.

كما تشير المعطيات الواردة في الملف إلى أن عناصر الشرطة القضائية انتقلت إلى عنوان يخص المشتكى به، غير أنها لم تتمكن من العثور عليه، وبعد إجراء أبحاث إضافية تم التوصل إلى عنوان آخر داخل النفوذ الترابي لمصلحة أمنية أخرى بالقنيطرة.

وأمام عدم العثور على المشتكى به، صدرت في حقه مذكرة بحث، حيث تشير وثيقة رسمية إلى إصدار برقية بحث في حقه تحت رقم 4159 بتاريخ 16 فبراير 2026، بعدما تبين للجهات الأمنية أنه يوجد في حالة فرار، مع الإشارة أيضاً إلى كونه مبحوثاً عنه من طرف المصلحة نفسها في قضية أخرى مرتبطة بإصدار شيكات بدون مؤونة.

غير أن المفارقة التي تطرح نفسها بقوة تتمثل في أن مذكرة البحث ظلت دون تنفيذ بسبب علاقات المتهم مع بعض عناصر الشرطة القضائية والدليل أنه يصول ويجول بجنبات ولاية الأمن بكل حرية، رغم أن الملف القضائي كان قد وصل إلى مرحلة جعلت النيابة العامة تقرر حفظ الشكاية إلى حين توقيف المشتكى به المنشورة في حقه برقية بحث، مع إمكانية إعادة فتح الملف في حال ظهور عناصر جديدة.

فقرار الحفظ الصادر بتاريخ 24 مارس 2026 في الملف رقم 1059/3201/2026 لم يكن حفظاً نهائياً يغلق القضية بشكل مطلق، وإنما ربط استمرار الإجراءات بإيقاف المشتكى به، وهو ما يجعل تنفيذ مذكرة البحث عنصراً أساسياً في تحريك الملف من جديد.

وهنا تبرز المعطيات الجديدة التي تزيد القضية إثارة، والمتمثلة، وفق ما توصلنا به من معلومات، في استدعاء مسؤولين من الشرطة القضائية من طرف الوكيل العام للملك لدى استئنافية القنيطرة، ومساءلتهم ومعاتبتهم بسبب عدم تفعيل مذكرة البحث وعدم توقيف المعني بالأمر، وإذا صحت هذه المعطيات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو : لماذا لم يتم تنفيذ مذكرة البحث منذ صدورها ؟ وهل كانت هناك صعوبات حقيقية حالت دون توقيف المشتكى به، أم أن الأمر يتعلق بتقصير في تتبع وتنفيذ المذكرة ؟ .

وهل تم تعميم مذكرة البحث بالشكل المطلوب على المصالح الأمنية المعنية ؟ وهل جرى استنفاد جميع الوسائل القانونية الممكنة للوصول إلى المشتكى به، خصوصاً وأن الملف يتضمن عناوين مختلفة ومعطيات عن مكان إقامته وتحركاته؟ وإذا كان الوكيل العام للملك لدى استئنافية القنيطرة قد استدعى عناصر أو مسؤولين على خلفية عدم تنفيذ المذكرة، فما هي بالضبط أوجه التقصير التي كانت وراء هذا الاستدعاء والمعاتبة ؟

والأهم من ذلك، هل يتعلق الأمر بمجرد تأخر أو تقصير إداري ومهني في تنفيذ مذكرة البحث، أم أن هناك أسباباً أخرى تفسر هذا التأخير؟ وهل يمكن الحديث عن وجود تواطؤ أو تستر لفائدة المشتكى به؟ أم أن مثل هذه الفرضية لا تستند، في الوقت الحالي، إلى أي دليل، وإنما تظل مجرد سؤال مشروع تفرضه ملابسات الملف وتأخر تنفيذ مذكرة البحث ؟ .

كما يطرح الملف سؤالاً آخر لا يقل أهمية : كيف يمكن أن تبقى قضية تتعلق، بحسب الشكاية، بأكثر من 53 مليون سنتيم، وتتضمن إقرارات كتابية بالديون وشهادات وتسجيلات صوتية، معلقة عملياً بسبب عدم توقيف شخص صدرت في حقه مذكرة بحث ؟ وهل كان من الضروري أن يبقى تحريك الملف مرتبطاً حصراً بتنفيذ مذكرة البحث، أم أن هناك إجراءات أخرى كان يمكن اتخاذها قانوناً؟

وإذا كانت المشتكية قد وضعت ثقتها في المؤسسات القضائية والأمنية المغربية، فإن انتقال الملف إلى مستوى آخر يطرح بدوره تساؤلات إضافية، خصوصاً بعد لجوئها إلى القنصلية الإسبانية بالرباط، باعتبارها مواطنة إسبانية، من أجل طلب المساعدة القنصلية ومتابعة مآل قضيتها.

وتكشف وثيقة محررة بتاريخ فاتح شتنبر 2026 أن المشتكية وجهت مراسلة إلى القنصلية العامة لإسبانيا بالرباط، تطلب فيها تدخلها ومواكبتها في القضية، وتشير إلى أنها سبق أن تقدمت بشكاية أمام النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، وأنها أدلت بأقوالها أمام الشرطة القضائية بتاريخ 11 دجنبر 2025، قبل أن تقول إنها لم تتوصل، منذ ذلك التاريخ، بأي معلومات واضحة حول مآل الإجراءات، ولا تعرف ما إذا كان الملف قد أحيل على قاضي التحقيق أو اتخذت بشأنه إجراءات أخرى.

وطلبت المشتكية من القنصلية الإسبانية، وفق مضمون الوثيقة، الاستفسار لدى السلطات القضائية المغربية عن مآل الملف رقم 2025/3101/8020، ومتابعة الإجراءات، والسعي إلى تفادي أي تأخير غير مبرر، وإخبارها بالتطورات التي قد تطرأ على القضية.

وهكذا يجد هذا الملف نفسه اليوم أمام أكثر من واجهة : شكاية تتعلق بمبالغ مالية كبيرة، وإقرارات كتابية بالديون، ومحاضر بحث واستماع وتسجيلات صوتية، ومذكرة بحث صادرة في حق المشتكى به منذ فبراير 2026، وقرار بحفظ الشكاية إلى حين توقيفه، ثم معطيات جديدة عن استدعاء مسؤولين أمنيين لدى الشرطة القضائية ومساءلتهم بشأن عدم تنفيذ المذكرة، وصولاً إلى دخول العامل القنصلي الإسباني على خط القضية من خلال لجوء المشتكية إلى القنصلية.

وبين هذه المعطيات كلها، يبقى السؤال المركزي الذي ينتظر جواباً واضحاً: من المسؤول عن تعثر تنفيذ مذكرة البحث ؟ ولماذا لم يتم توقيف المشتكى به رغم صدورها ؟ وهل يتعلق الأمر بتقصير في التنفيذ، أم بصعوبات موضوعية، أم أن هناك أسباباً أخرى تستدعي التحقيق والتوضيح ؟ .

أما الحديث عن وجود تواطؤ أو تستر، فيبقى، في غياب أدلة واضحة تثبته، مجرد احتمال وتساؤل مشروع تفرضه ملابسات الملف، وليس حقيقة ثابتة. وحدها الأبحاث والتحقيقات المختصة قادرة على تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بمجرد تقصير أو تأخر في تنفيذ الإجراءات، أم أن هناك وقائع أخرى تستوجب المساءلة.

وإلى حدود إعداد هذا المقال، تبقى هذه المعطيات مرتبطة بما ورد في الوثائق والتصريحات المتوفرة بشأن الملف، فيما يظل من حق الجهات الأمنية والقضائية المعنية تقديم توضيحاتها بشأن أسباب عدم تنفيذ مذكرة البحث والمسار الذي اتخذته القضية، على أن يتم نشر أي توضيح رسمي في الموضوع.

image_pdfimage_print

شاهد أيضاً

الكركارات … الأمن والجمارك في عملية نوعية يحبط تهريب 300 كيلوغرام من الشيرا نحو إفريقيا جنوب الصحراء .

مراسل موقع “أخبارنا24” من المعبر الحدودي الكركارات . أحبطت عناصر الأمن الوطني والجمارك بمعبر الكركرات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *