
الرباط – سناء الإبراهيمي عن موقع “أخبارنا24” .
ملف سياسي يثير أسئلة حارقة حول الصراع على النفوذ، وتداعيات الخلافات الحزبية، ومطلب الإنصاف أمام القضاء
في تصريح يحمل الكثير من المرارة والأسئلة السياسية والقانونية، خرج “عبد الواحد خلوقي” الرئيس السابق للمجلس الإقليمي لسيدي سليمان والفاعل السياسي والجمعوي، عن صمته ليروي فصولاً مما يعتبره استهدافاً سياسياً ممنهجاً انتهى به – حسب روايته – إلى مغادرة المغرب والعيش بعيداً عن وطنه، في انتظار أن تنصفه العدالة ويستعيد حقه في الدفاع عن نفسه.
ويختصر “خلوقي” معاناته في عبارة تختزل حجم الألم الذي يقول إنه يعيشه : «أنا منفي في بلاد الناس، لأنني قررت أن أشتغل مع الدولة، فوجدت نفسي في مواجهة مصير لم أكن أتوقعه».
فكيف تحول مسار سياسي امتد منذ سنة 2003، تقلد خلاله “خلوقي” عدداً من المسؤوليات الحزبية والمنتخبة، إلى قضية يقول إنها دمرت حياته السياسية والاجتماعية ؟ وما علاقة الخلافات داخل حزب الاتحاد الدستوري بالصراع الذي يتحدث عنه ؟ وأين تنتهي الحسابات الحزبية لتبدأ مسؤولية المؤسسات في ضمان حقوق الجميع ؟ .
– من خلافة إدريس الراضي في الحزب إلى مواجهة سياسية مفتوحة :
بحسب الرواية التي يقدمها “عبد الواحد خلوقي” فإن جذور الأزمة تعود إلى مرحلة شهدت تحولات داخل حزب الاتحاد الدستوري، بعدما أُبعد “إدريس الراضي” عن الحزب، ليقرر خلوقي مواصلة مساره السياسي داخل التنظيم، وتولي مسؤوليات حزبية من بينها التنسيق الإقليمي للحزب بإقليم سيدي سليمان، في سياق اعتبره مرتبطاً بخلافة “الراضي” في المشهد الحزبي المحلي.
ويقول “خلوقي” إنه اختار التوجه نحو العمل مع مؤسسات الدولة، بدل الاستمرار في الاصطفاف إلى جانب “الراضي” وهو القرار الذي يعتقد أنه شكل نقطة تحول في علاقته بخصمه السياسي، وأدخل الطرفين في صراع امتدت تداعياته، حسب ادعائه، إلى جوانب من حياته الشخصية والقضائية.
ويؤكد الرئيس السابق للمجلس الإقليمي لسيدي سليمان أنه وجد نفسه وسط صراعات سياسية وحزبية يعتبر أنه لم يكن سوى ضحية لها، مضيفاً أن الخلاف، وفق روايته، لم يعد مجرد تنافس على المواقع والمسؤوليات، بل تحول إلى معركة يقول إنها استهدفت مستقبله وسمعته وحريته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : هل كان قرار “خلوقي” مواصلة مساره السياسي داخل حزب الاتحاد الدستوري والعمل مع مؤسسات الدولة سبباً في تعقيد خلافه مع “الراضي” ؟ أم أن الأمر يتعلق بنزاع سياسي أوسع تتداخل فيه الحسابات الحزبية والمصالح المحلية ؟ أسئلة تظل مفتوحة أمام ضرورة الاستماع إلى مختلف الأطراف والاحتكام إلى الوقائع والوثائق.
– «اشتغلت مع الدولة، وفي النهاية وجدت نفسي وحيداً!» :
يتحدث “عبد الواحد خلوقي” بمرارة عما يعتبره تخلياً عنه في مرحلة وصفها بالصعبة، مؤكداً أنه كان يعتقد أن اختياره العمل مع مؤسسات الدولة سيتيح له مواصلة مساره السياسي في إطار المؤسسات والقانون، قبل أن يجد نفسه، بحسب روايته، في مواجهة ملفات قضائية يعتبرها مفبركة بحقه.
ويذهب “خلوقي” إلى أن ما تعرض له لم يكن، في نظره، منفصلاً عن الصراع السياسي الذي جمعه ب”إدريس الراضي” مدعياً أن خصمه استعمل علاقاته ونفوذه، وأن علاقات مع بعض المسؤولين في المجال القضائي ساهمت – وفق اعتقاده – في تعقيد وضعيته.
وهي اتهامات خطيرة يوردها “خلوقي” في روايته، وتبقى بحاجة إلى ما يثبتها من أدلة وقرائن، كما تقتضي إتاحة حق الرد للأشخاص المعنيين بها، دون المساس باستقلال القضاء أو استباق الأحكام القضائية.
ويشدد “خلوقي” على أن إحساسه بالخذلان تضاعف لأنه يرى نفسه ضحية صراع بين أطراف سياسية ومؤسساتية، ليجد نفسه – حسب تعبيره – يدفع ثمن خلافات لم يكن يتصور أن تصل إلى هذا الحد.
«لم أكن أتصور أن ينتهي بي الأمر بعيداً عن وطني، بعدما قضيت سنوات في العمل السياسي وخدمة الشأن العام. كنت أعتقد أن المؤسسات ستحميني من الظلم إن تعرضت له، لكنني وجدت نفسي أواجه مصيري وحدي»، هكذا يلخص “خلوقي” إحساسه بالمرارة – وفق ما يعبر عنه في روايته – .
– من المسؤوليات السياسية والمنتخبة إلى المنفى الاختياري القسري :
لم يكن “عبد الواحد خلوقي” بحسب مساره المعلن، اسماً عابراً في الحياة السياسية المحلية بإقليم سيدي سليمان؛ فقد تقلد عدداً من المسؤوليات، من بينها عضوية المكتب السياسي لحزب الاتحاد الدستوري، والتنسيق الإقليمي للحزب، ورئاسة المجلس الإقليمي لسيدي سليمان، إلى جانب مسؤوليات أخرى في تدبير الشأن المحلي والعمل الجمعوي.
كما شغل منصب أمين مال الجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم، ومستشاراً بجماعة القصيبية ونائباً لرئيسها، ورئيساً لمجموعة الجماعات الترابية بني احسن للبيئة.
غير أن هذا المسار، الذي امتد لسنوات، أصبح اليوم، بحسب قوله، جزءاً من ماضٍ يطارده، بعدما وجد نفسه خارج المغرب، بعيداً عن محيطه الاجتماعي والسياسي.
وينفي “خلوقي” أن تكون مغادرته البلاد هروباً من العدالة، مؤكداً أنها جاءت، حسب روايته، نتيجة ظروف صحية ونفسية وضغوط يقول إنه تعرض لها، فضلاً عن تخوفه على سلامته الشخصية.
ويقول إنه مستعد للمثول أمام القضاء المغربي، متمسكاً بحقه في محاكمة عادلة تتوافر فيها ضمانات الدفاع والإنصاف، ومشدداً على أن مغادرته المغرب لم تعنِ، بالنسبة إليه، التخلي عن قضيته أو التنازل عن المطالبة بكشف الحقيقة.
وهنا تبرز نقطة جوهرية : إن مغادرة شخص للبلاد لا تكفي وحدها لإثبات براءته أو إدانته، كما أن ادعاء التعرض للظلم لا يغني عن فحص الأحكام والوثائق والأدلة. وتظل الضمانات القانونية وحقوق الدفاع أساساً لا غنى عنهما في أي مسار قضائي.
– اتهامات بالتلفيق والتلاعب بالملفات.. و”خلوقي” يطالب بكشف الحقيقة :
ومن بين أخطر ما يثيره “عبد الواحد خلوقي” ادعاؤه أنه تعرض للاستهداف من خلال ملفات يعتبرها مفبركة، وأن اسمه أُقحم، بحسب قوله، في وقائع وقضايا ينفي مسؤوليته عنها.
كما يتحدث عن قضية مرتبطة بالمخدرات والسلاح ووثائق مزورة، يدعي أن اسمه جرى الزج به فيها عبر استعمال سيارة تحمل بيانات مرتبطة به، مؤكداً، وفق روايته، أن التحقيقات كشفت معطيات بشأن أطراف أخرى.
وتظل هذه الوقائع، بالنظر إلى خطورتها، في حاجة إلى الرجوع إلى المحاضر الرسمية ونتائج التحقيقات والأحكام القضائية ذات الصلة، قبل الجزم بصحة أي اتهام أو تحديد المسؤوليات.
ويثير “خلوقي” كذلك تساؤلات بشأن مآل بعض الملفات والأحكام الصادرة في حقه، معبراً عن استغرابه مما يعتبره تفاوتاً في التعامل القضائي مع متهمين في قضايا يقول إنها ترتبط بوقائع مشتركة.
وهي تساؤلات تستدعي، إن أريد تحويلها إلى نقاش عمومي مسؤول، تقديم أرقام الملفات والقرارات القضائية المعنية، ومقارنة التعليلات القانونية والأدلة التي استندت إليها المحاكم، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات غير المثبتة.
– مراسلات إلى مؤسسات الدولة.. وأمل في تحقيق ينهي سنوات المعاناة :
يؤكد “خلوقي” أنه لم يكتف بإطلاق التصريحات، بل لجأ، بحسب قوله، إلى مراسلة عدد من المؤسسات الرسمية، من بينها الديوان الملكي، ورئاسة النيابة العامة، ووزارة الداخلية، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمديرية العامة للأمن الوطني، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ومؤسسة الوسيط.
ويقول إنه يتوفر على إشعارات تفيد بالتوصل بمراسلاته، وإنه وضع رهن إشارة الجهات المعنية وثائق يعتبرها داعمة لروايته، مطالباً بفتح تحقيق نزيه ومستقل في ما يثيره من ادعاءات.
وبالنسبة إليه، فإن مطلبه الأساسي يتمثل في إعادة فحص الوقائع التي يعتبرها مظلمة تعرض لها، والاستماع إلى مختلف الأطراف، والتحقق من الوثائق والمعطيات التي يقول إنه يتوفر عليها، حتى تتضح الحقيقة وتترتب المسؤوليات وفق القانون.
فإذا كانت لديه أدلة تثبت ما يدعيه، فإن الطريق القانوني يقتضي تمكين الجهات المختصة من فحصها والتحقق منها، كما أن لكل طرف ورد اسمه في هذه الادعاءات الحق في الرد والدفاع عن نفسه.
– هل يجد خلوقي الإنصاف الذي يبحث عنه ؟ :
اليوم، يجد “عبد الواحد خلوقي” نفسه، بحسب وصفه، بعيداً عن بلده، بعدما كان حاضراً في المشهد السياسي المحلي وتولى مسؤوليات منتخبة وحزبية لسنوات.
وبين رواية يتحدث فيها عن الاستهداف السياسي والتخلي عنه، وملفات قضائية تستوجب الرجوع إلى وثائقها وأحكامها، تبقى الحاجة ملحة إلى عرض الوقائع كاملة، والاستماع إلى جميع الأطراف، والتمييز بين ما يمكن إثباته وما لا يزال في دائرة الادعاء.
فالقضية، كما يعرضها “خلوقي”، لا تتعلق بمصير سياسي واحد فحسب، بل تطرح أسئلة حول العلاقة بين الصراعات الحزبية والمسارات القضائية، وحول أهمية حماية حقوق الدفاع، وضمان عدم تحويل الخلافات السياسية إلى اتهامات متبادلة خارج إطار الأدلة والقانون.
– رسالة إلى الملك محمد السادس : أملي الأخير في الإنصاف والعفو الملكي :
في ختام روايته، يوجه “عبد الواحد خلوقي” نداءً إلى الملك محمد السادس، معبراً عن أمله في أن تحظى قضيته بما تستحقه من عناية، وأن يتمكن من عرض مظلمته والعودة إلى وطنه في ظروف تحفظ كرامته وحقوقه.
ويؤكد أن أمله – بحسب تعبيره – معقود على جلالة الملك، ملتمساً الإنصاف، ومعبراً عن رغبته في الاستفادة من عفو ملكي.
غير أن العفو الملكي، من الناحية القانونية، يختلف عن الحكم بالبراءة أو إعادة النظر في الإدانة؛ فهو مسار قانوني مستقل لا يعني، في حد ذاته، ثبوت البراءة من التهم. أما الاعتراض على الأحكام أو المطالبة بمراجعتها، فيخضع للمساطر والضوابط القانونية المقررة.
ويصر “خلوقي” على أنه لن يتخلى عن المطالبة بكشف الحقيقة، وأنه يريد أن تُفحص قضيته بعيداً عن الحسابات السياسية، وأن يُتاح له الدفاع عن نفسه وفق الضمانات القانونية.
«أنا “عبد الواحد خلوقي” أقول إنني ضحية صراعات سياسية وحزبية، وأطالب بإنصافي وكشف الحقيقة. لم أغادر وطني، بحسب ما أؤكد، رغبة في التخلي عنه، وإنما وجدت نفسي أمام ظروف أعتبرها قاهرة. أملي أن تجد قضيتي طريقها إلى الإنصاف، وأن أستعيد حقي في الدفاع عن نفسي والعودة إلى بلدي مرفوع الرأس».
ويبقى السؤال الذي ينتظر الجواب : هل تنجح المطالب التي يرفعها “عبد الواحد خلوقي” في فتح نقاش جدي حول ملفه، بما يتيح التحقق من ادعاءاته وتوضيح حقيقة ما جرى، أم ستظل قضيته حبيسة رواية طرف واحد، في انتظار وثائق وقرارات رسمية تضع الرأي العام أمام الصورة الكاملة ؟.
Akhbarona24 الموقع الاخباري رقم واحد بالمغرب

