أمن الوطن ليس مادة لجمع الإعجابات … لماذا يجب التوقف عن تصوير تحركات القوات المسلحة الملكية ونشرها دون تحقق ؟ (بلاغ القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية) .

الرباط – أخبارنا24 .
في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية وسيلة سهلة لتوثيق كل ما يمر أمام أعين المواطنين، تحولت بعض التحركات العسكرية إلى محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يسارع أشخاص إلى تصوير شاحنات وآليات ومعدات تابعة للقوات المسلحة الملكية، ثم نشر المقاطع مرفقة بتعليقات وتفسيرات قد لا تستند إلى أي معلومات موثوقة.
قد يبدو الأمر بالنسبة للبعض مجرد توثيق لمشهد عابر أو محاولة للحصول على أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات، لكن عندما يتعلق الأمر بتحركات عسكرية، فإن المسألة تتجاوز حدود صناعة المحتوى والترفيه الرقمي، لتلامس موضوعاً بالغ الحساسية يرتبط بأمن البلاد وسلامة الأفراد وحماية المعلومات ذات الطابع العسكري.
والأهم هنا هو التمييز بين حق المواطن في الاطلاع على الأخبار، وبين تحويل تفاصيل الأنشطة العسكرية إلى مادة متاحة للتداول والتحليل والتأويل من طرف حسابات مجهولة، قد لا تدرك طبيعة المعلومات التي تكشفها مقاطعها المصورة.
– مقاطع قد تكشف أكثر مما يعتقد أصحابها :
إن نشر مقطع مصور لشاحنات عسكرية وهي تسير على طريق عام لا يعني بالضرورة كشف سر عسكري، كما أن مجرد ظهور آلية عسكرية في فيديو لا يثبت وجود عملية ميدانية أو استعداد استثنائي.
لكن الخطر قد يظهر عندما تتضمن المقاطع تفاصيل إضافية، مثل توقيت مرور القوافل، والمسارات التي تسلكها، وأعداد الآليات، وطبيعة المعدات المنقولة، أو مواقع تجمعها وتحركاتها المتكررة. وعند تجميع هذه المعطيات من مقاطع متفرقة، قد تصبح ذات قيمة أكبر مما يبدو عليه كل مقطع على حدة.
وتزداد الخطورة عندما تُنشر هذه المواد بشكل فوري، أو تُرفق بمعلومات عن الموقع والتوقيت، أو يعاد تحليلها وتداولها على نطاق واسع، بما يتيح لأطراف غير معنية تتبع تفاصيل لم تكن متاحة لها بهذه الصورة.
ومن المهم التأكيد أن هذا التحذير لا يعني أن كل عملية نقل للمعدات العسكرية سرية، ولا أن كل تصوير في الفضاء العام يشكل مخالفة قانونية، وإنما يتعلق بضرورة عدم نشر معلومات قد تكون حساسة أو غير معلنة، وترك تقدير طبيعتها للجهات المختصة.
– ماذا يقول القانون المغربي؟ :
لا ينبغي تقديم المسألة على أنها حظر قانوني مطلق لكل تصوير للآليات العسكرية في الطرقات العامة، لأن هذا التعميم لا يستند إلى النصوص القانونية المشار إليها.
فالفصل 187 من مجموعة القانون الجنائي المغربي يحدد مفهوم أسرار الدفاع الوطني، ويشمل المعلومات العسكرية التي تقتضي طبيعتها أن تظل محصورة في الأشخاص المؤهلين للاطلاع عليها، كما يشمل الوثائق والصور والخرائط والمواد التي يمكن أن تؤدي إلى كشف تلك المعلومات. ويبو +1
كما ينص الفصل 192 على تجريم أفعال معينة تتعلق بالحصول على أسرار الدفاع الوطني أو إطلاع الجمهور أو أشخاص غير مؤهلين عليها، حتى عندما لا يكون الهدف تسليمها إلى جهة أجنبية. Ma Loi +1
أما الفصل 193 فيتناول أفعالاً محددة، من بينها التصوير داخل المنشآت والمناطق العسكرية أو البحرية المحظورة أو حولها دون ترخيص من السلطة المختصة. Ma Loi +1
وبالتالي، فإن المسؤولية القانونية ترتبط بطبيعة المعلومات والفعل المرتكب والظروف المحيطة به، ولا يصح اعتبار كل تصوير لشاحنة عسكرية في طريق عمومي جريمة تلقائياً.
– الذكاء الاصطناعي يفتح باباً إضافياً للتضليل :
ومن الجوانب التي تستدعي الانتباه أيضاً، استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنشاء مقاطع وصور تحاكي تحركات عسكرية حقيقية، أو تعديل تسجيلات قديمة وإعادة تقديمها على أنها مشاهد حديثة.
هذه الممارسات قد تؤدي إلى خلق روايات لا أساس لها من الصحة، خصوصاً عندما تتزامن مع أحداث سياسية أو تطورات مرتبطة بالقضايا الوطنية. فقد يتحول مقطع قديم، أو صورة معدلة، إلى مادة تتناقلها الحسابات على نطاق واسع، مع إضافة تفسيرات بشأن تحركات عسكرية أو استعدادات ميدانية دون أي دليل موثوق.
وهنا تبرز مسؤولية الصفحات الإخبارية وصناع المحتوى في التحقق من تاريخ الصور ومصدرها وسياقها، وعدم تقديم المواد المنشأة بالذكاء الاصطناعي على أنها توثيق حقيقي، أو بناء استنتاجات عسكرية عليها.
– التزامن مع التطورات السياسية لا يعني وجود ارتباط عسكري:
ومن الأخطاء التي ينبغي تجنبها ربط أي تحرك عسكري بتطور سياسي أو دبلوماسي لمجرد وقوع الحدثين في فترة زمنية متقاربة.
فقد تكون عمليات نقل المعدات والآليات مرتبطة ببرامج لوجستية أو أنشطة تدريبية أو عمليات صيانة وإعادة انتشار، وقد تكون لها اعتبارات أخرى لا يمكن الجزم بها من خلال مقطع قصير منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي ما يتعلق بالتطورات الأخيرة في ملف الصحراء المغربية، لا يجوز اعتبار المقاطع المتداولة دليلاً على وجود ارتباط مباشر بينها وبين قرارات مجلس الأمن أو أي مستجدات دبلوماسية، ما لم يصدر تأكيد موثوق من الجهات المعنية.
– المواطنة الرقمية مسؤولية وليست سباقاً وراء المشاهدات :
إن الدفاع عن أمن الوطن لا يقتصر على المؤسسات العسكرية والأمنية، بل يشمل أيضاً الوعي المجتمعي والمسؤولية في التعامل مع المعلومات المتداولة.
– ومن هذا المنطلق، فإن التصرف المسؤول يقتضي :
* تجنب تصوير أو نشر تفاصيل التحركات العسكرية التي قد تكشف معلومات حساسة.
* عدم نشر مواقع القوافل العسكرية أو توقيت مرورها ومساراتها بصورة مباشرة.
* الامتناع عن إعادة تداول مقاطع مجهولة المصدر أو قديمة باعتبارها أحداثاً حديثة.
* عدم إنشاء صور أو فيديوهات بالذكاء الاصطناعي توحي بوجود تحركات أو عمليات عسكرية غير مؤكدة.
* الاعتماد على البلاغات الرسمية والمصادر الإعلامية الموثوقة عند تناول الأخبار العسكرية.
إن مواقع التواصل الاجتماعي ليست مساحة معزولة عن الواقع، وما ينشره المستخدم اليوم قد يتحول إلى معلومة متاحة لجهات متعددة، بعضها قد يوظفها خارج السياق الذي نشرت من أجله.
– رسالة أخيرة : ليس كل ما تراه العين يجب أن يتحول إلى منشور :
إن القوات المسلحة الملكية تضطلع بمهام ترتبط بالدفاع عن سيادة المملكة وحماية أمنها واستقرارها، وهذه المهام تستوجب احترام خصوصية أنشطتها وعدم التعامل مع تحركاتها باعتبارها مادة مفتوحة لصناعة المحتوى الرقمي.
ولا يتعلق الأمر بمنع تداول الأخبار أو التضييق على حق المواطنين في المعرفة، بل بترسيخ ثقافة التمييز بين الخبر الذي يخدم المصلحة العامة والمعلومة التي قد يؤدي نشرها إلى مخاطر لا يدركها صاحب المنشور.
فليس من الضروري أن تكون أول من ينشر مقطعاً عسكرياً، وليس كل ما يحقق آلاف المشاهدات يستحق النشر.
أمن الوطن مسؤولية مشتركة، والوعي أحياناً يبدأ بقرار بسيط: ألا تصوّر، وألا تنشر، وألا تساهم في تداول معلومة قد يكون الاحتفاظ بها بعيداً عن منصات التواصل أكثر أماناً للجميع.
– المراجع القانونية :
\- مجموعة القانون الجنائي المغربي، الفصول 187 و192 و193. ويبو +2
ملاحظة تحريرية: جرى التمييز في هذا المقال بين التحذير الأمني والتجريم القانوني، تجنباً لتقديم التصوير في الأماكن العامة باعتباره مخالفة تلقائية، أو نسبة تحركات عسكرية إلى أحداث سياسية دون دليل موثوق.