1

عيدودي يكتب : هل جفَّ قاموس السياسي المغربي؟…من ثقافة المعرفة إلى ثقافة التفاهة… حين تفقد الكلمة وقارها .

بقلم – الدكتور عبدالنبي العيدودي .

ليست السياسة ضجيجًا عابرًا فوق المنصات، ولا انفعالًا يملأ الفراغ حين تضيق الفكرة، وإنما هي، في أرقى معانيها، صناعة للوعي، وتربية للذوق العام، وتدبير للكلمة قبل تدبير السلطة. ذلك أن السياسي لا يُقاس فقط بما يملك من أصوات، ولا بما يجمع حوله من أنصار، بل يُقاس قبل ذلك بما يحمل في لسانه من أدب، وفي عقله من معنى، وفي خطابه من مسؤولية.
ومن هنا، فإن ما صدر عن عبد الإله بنكيران في تجمع خطابي بمدينة الصويرة، حين قال في سياق حديثه: “هذه المدينة ماشي ديال أي واحد، ديال الله… ولا نخاف من أي أحد سوى الله، الوطن، الملك… سواء كان أزولاي أو الهمة أو أي قندوح”، لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره تصريحًا سياسيًا عابرًا، بل باعتباره علامة من علامات التحول في قاموس السياسي المغربي، وفي معنى الكلمة داخل الفضاء العمومي.
*فالسؤال اليوم ليس: من المقصود؟ ولا من المستهدف؟ وإنما السؤال الأعمق: هل جف قاموس السياسي المغربي؟ هل سقطت أساليبه ومعانيه؟ هل ضاعت أدبياته التي خطها كبار الساسة ورجالات الدولة في هذا البلد؟*
*لقد عرف المغرب رجالات اختلفوا في المشارب والمواقع، لكنهم اشتركوا في تقدير الكلمة. كان علال الفاسي مدرسة في البيان والفكر، وكانت عبارته مشدودة إلى روح الإصلاح والعلم والوطنية. وكان المحجوبي أحرضان صوتًا آتيًا من الأرض والهوية والجبال، يجمع بين تلقائية البدوي ووقار الزعيم. وكان عبد الرحمن اليوسفي، ومعه امحند العنصر، عنوانًا للهدوء والصمت المسؤول والاتزان، حيث تصبح قلة الكلام بلاغة، ويصير الصمت أحيانًا أرفع من الخطب الطوال. وكان علي يعته نموذجًا للصرامة الفكرية والانضباط الإيديولوجي، فيما ارتبط اسم إدريس البصري، ومعه بنسودة، بلغة الدولة ودقة العبارة وهيبة المؤسسة، مهما اختلفت القراءات حول تجاربهم ومواقعهم.*
*هؤلاء لم يكونوا ملائكة في السياسة، ولا كانوا خارج النقد، لكنهم كانوا يدركون أن للسياسة أدبًا، وللاختلاف قاموسًا، وللدولة حرمة رمزية لا يجوز أن تُستباح بعبارات سائبة.*
*إن الكتب السماوية نفسها رفعت شأن الكلمة، وجعلت اللسان ميزانًا للإنسان. ففي القرآن الكريم: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وفيه أيضًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. وفي الحديث الشريف: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وفي الإنجيل معنى جليل يقول: «من فضلة القلب يتكلم الفم»، وفي أسفار الحكمة: «الموت والحياة في يد اللسان». وكلها معانٍ تلتقي عند حقيقة واحدة: أن الكلمة ليست ملكًا عابرًا لصاحبها، بل أثرٌ ومسؤولية وحساب.*
*ولهذا قال أهل العلم قديمًا: المرء مخبوء تحت لسانه. وقالوا أيضًا: لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الجاهل وراء لسانه. والمعنى أن العاقل يزن الكلمة قبل أن تطير، أما من خف ميزانه فإنه يطلقها ثم يبحث لها عن عذر.*
إن القائد السياسي ليس مجرد خطيب فوق منصة، بل هو قدوة لقواعده ومناضليه ومتعاطفيه. كلامه يتحول إلى قاموس، وانفعاله يتحول إلى سلوك، وسخريته تتحول إلى ثقافة تتناسل في المجالس والمنصات ووسائل التواصل. فإذا نهل القائد من ثقافة المعرفة، ارتفع من حوله؛ وإذا نهل من ثقافة التفاهة ووزعها شرقًا وغربًا، وجدنا صداها يملأ الفضاء العام، حتى يصبح الابتذال مألوفًا، وتغدو الرداءة لغة سياسية عادية.
*ومن هنا، فالقائد الحقيقي مطالب بأن يكون حارسًا للمعنى، لا موزعًا للانفعال؛ قناصًا في اختيار مصطلحاته، لا أسيرًا لعبارات لا سند لها في قاموس الأمة؛ حريصًا على أن ينهل من اللغة المغربية المتينة، ومن العربية الرفيعة، ومن أدب الدولة، لا من مفردات عابرة تُضحك لحظة وتجرح الذوق العام طويلًا.*
لقد أصبحنا أمام مفارقة موجعة: ثقافة المعرفة أم ثقافة التفاهة؟
هل ما زالت السياسة مجالًا لإنتاج الفكر والمعنى، أم صارت فضاءً لصناعة الفرجة؟
هل بقيت الكلمة سلطة أخلاقية، أم أصبحت السلطة تبحث عن كلمة صاخبة تغطي بها الفراغ؟
إن فراغ الكراسي في تجمع سياسي قد يكون حدثًا عابرًا، لكن فراغ المعنى في الخطاب أخطر وأبقى. فالكراسي تُملأ في مناسبة أخرى، أما اللغة إذا أُفرغت من وقارها، فإنها تُفرغ السياسة من نبلها.
لذلك، ليست القضية قضية بنكيران وحده، ولا حزب بعينه، ولا اسم من الأسماء التي وردت في التصريح. إنها قضية قاموس سياسي مغربي يحتاج اليوم إلى مراجعة عميقة. قاموس لا يخاصم النقد، ولا يمنع الجرأة، ولا يصادر الاختلاف، لكنه يرفض أن تتحول الجرأة إلى فجاجة، والاختلاف إلى تبخيس، والخطابة إلى استعراض.
*إن الأمم لا تنهض بالمؤسسات وحدها، بل تنهض أيضًا بالكلمات التي تصون تلك المؤسسات. والسياسة التي تفقد لغتها تفقد جزءًا من روحها. وحين تنحدر الكلمة، ينحدر معها النقاش، وحين يسمو اللسان، يسمو معه الوطن.*
*فهل جف قاموس السياسي المغربي؟*
*أم أن القاموس لم يجف، ولكن بعض من يتحدثون باسمه ابتعدوا عن ينابيعه؟
ذلك هو السؤال الذي يؤرقني كثيرا ! !!.