1

الحركة الشعبية… عندما يعود الحزب إلى صناعة السياسة .

*بقلم: الدكتورة قمر عيدودي*

ليست السياسة مجرد سباق نحو السلطة، كما أنها ليست مجرد تنافس حول عدد المقاعد أو مواقع التدبير. فالسياسة، في معناها العميق، هي القدرة على إنتاج المعنى داخل المجتمع، وتحويل انشغالات المواطنين إلى قضية وطنية، وإعادة بناء الجسور بين الدولة والمجتمع عبر مؤسسات حزبية حية، تؤطر، وتقترح، وتدافع، وتنتقد، وتؤمن بأن الاختلاف مصدر قوة لا سبب للقطيعة.
من هذا المنظور، يمكن قراءة التحولات التي تعرفها الحركة الشعبية خلال المرحلة الراهنة، ليس باعتبارها مجرد استعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة تعريف الدور التاريخي للحزب داخل الحياة السياسية المغربية.
لقد مرت الحياة الحزبية المغربية، خلال العقدين الأخيرين، بمرحلة اتسمت بتراجع الفعل السياسي لصالح التدبير التقني، وبهيمنة منطق الانتخابات على حساب منطق التأطير، حتى أصبح كثير من الأحزاب يستيقظ مع اقتراب الاستحقاقات، ويعود إلى الصمت بمجرد انتهائها. وفي خضم هذا التحول، تراجعت وظيفة الحزب باعتباره مدرسة لإنتاج النخب والأفكار، وتحول في كثير من الأحيان إلى إطار انتخابي أكثر منه فضاءً للنقاش العمومي.
غير أن ما تشهده الحركة الشعبية اليوم يوحي بمحاولة واعية للعودة إلى الأصل؛ أصل السياسة باعتبارها فعلًا يوميًا، وحضورًا دائمًا، ومسؤولية وطنية لا ترتبط بموقع في الحكومة أو المعارضة بقدر ما ترتبط بالالتصاق بقضايا المجتمع.
لقد خرج الحزب، في عهد محمد أوزين، من هدوء التنظيم إلى حركية المؤسسة، ومن الانتظام الإداري إلى التأسيس السياسي، ومن الحضور المناسباتي إلى الحضور المستمر في الفضاء العمومي. ولم يعد حضوره يقاس بعدد البيانات أو الأنشطة الداخلية، بل بقدرته على أن يكون طرفًا في النقاش الوطني حول أكثر القضايا حساسية.
لقد كان حاضرًا في النقاش حول غلاء الأسعار وتداعياته الاجتماعية، وفي الجدل المرتبط بالساعة الإضافية وما تثيره من أسئلة تربوية وأسرية، وفي ملفات المحروقات وانعكاساتها على الاقتصاد الوطني، وفي قضايا الاحتكار والمضاربة التي أثقلت كاهل المواطنين، كما لم يتردد في الانخراط في النقاش المتعلق بالإعلام، والتعليم، والصحة، والثقافة، والهوية، والدبلوماسية، والتنمية المجالية، وغيرها من القضايا التي تشكل اليوم جوهر الاهتمام المجتمعي.
وهذا الحضور ليس ترفًا سياسيًا، بل استعادة لوظيفة الحزب كما أرادتها الديمقراطيات الحديثة؛ أي أن يكون وسيطًا بين الدولة والمجتمع، وأن ينقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسات، ويعيد تفسير السياسات العمومية في ضوء المصلحة العامة.
لقد أدركت الحركة الشعبية أن المجال السياسي لم يعد يحتمل الفراغ. فالفضاء العمومي، بطبيعته، يرفض الصمت، وإذا غابت الأحزاب الجادة عن النقاش، ملأت الفراغ خطابات التبسيط، والشعبوية، والإشاعة، والعدمية. ولذلك اختارت أن تكون حاضرة حيث يتشكل الرأي العام، وحيث تُصنع القناعات، وحيث تُخاض المعارك الفكرية حول مستقبل المغرب.
ولعل ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها أنها لم تجعل من الحضور الإعلامي غاية في ذاته، وإنما وسيلة لإعادة الاعتبار للدور التأطيري للحزب. فالسياسة لا تُقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرة الخطاب على بناء الثقة، وإنتاج البدائل، وإقناع المواطن بأن العمل الحزبي ما يزال قادرًا على خدمة الصالح العام.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يربط الأمين العام للحركة الشعبية بين الرهان الانتخابي والرهان المجتمعي، مؤكدًا أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات والعمل السياسي تمثل المدخل الحقيقي لأي إصلاح ديمقراطي. إنها رؤية تنقل النقاش من سؤال: كم مقعدًا سنربح؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نعيد الاعتبار للسياسة في وعي المواطن؟
إن الأحزاب التي تصنع المستقبل ليست تلك التي تتقن الحسابات الانتخابية فقط، وإنما تلك التي تدرك أن المجتمع يتغير بسرعة، وأن الأجيال الجديدة لا تمنح ثقتها إلا لمن يشاركها أسئلتها، ويصغي إلى مخاوفها، ويقترح حلولًا قابلة للتنفيذ.
وإذا كان التاريخ يمنح الأحزاب شرعية البدايات، فإن المستقبل لا يمنح شرعيته إلا لمن يجدد مشروعه باستمرار. ومن هنا، فإن القيمة المضافة للحركة الشعبية في هذه المرحلة لا تكمن فقط في إعادة تنشيط هياكلها التنظيمية، بل في سعيها إلى إعادة بناء موقعها كقوة اقتراحية، ومدرسة سياسية، وفاعل يشارك في صياغة الأولويات الوطنية.
إن المغرب، وهو يستعد لاستحقاقات سياسية كبرى، ولأوراش استراتيجية تمتد إلى أفق تنظيم كأس العالم 2030، يحتاج إلى أحزاب قوية بأفكارها قبل تنظيمها، وبقدرتها على الإقناع قبل قدرتها على التعبئة، وبمشروعها المجتمعي قبل رصيدها الانتخابي.
وفي هذا السياق، تبدو الحركة الشعبية وكأنها تراهن على معادلة مختلفة؛ معادلة تجعل من النقاش العمومي مدخلًا لبناء الثقة، ومن الحضور اليومي وسيلة لتجديد الشرعية، ومن السياسة فعلًا مجتمعيًا مستمرًا لا موسمًا انتخابيًا عابرًا.
*فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست فن الوصول إلى السلطة، بل فن البقاء قريبًا من المجتمع. ومن ينجح في كسب ثقة المجتمع، يكون قد وضع قدمه الأولى في صناعة المستقبل